أثناء عرض الدراسة التي قامت بها شركة "ماكنزي" في ورشة العمل التي ترأسها سمو ولي العهد البحريني حول اصلاحات سوق العمل في البحرين, ظهرت على الشاشة جملة كانت ضمن فقرة كاملة كتبت ببنط اعرض للفت الانتباه و للتركيز عليها. تتضمن هذه الجملة تأكيدا بان الصندوق المزمع انشاؤه من أجل التدريب والمحصلة ميزانيته من اصحاب الاعمال "لن يكون تحت تصرف الحكومة"!
طريقة كتابة هذه العبارة تؤكد اهميتها لكنها في نفس الوقت لها مؤشر اخطر بكثير اذ انها تلفت الانتباه على علم الشركة بعدم الثقة في نزاهة الحكومة! وما تمييز هذه العبارة عن الفقرة الكاملة الا لبث الطمأنينة عند الفئة المخاطبة في ان اموالكم محفوظة و ستشرفون بانفسكم على طريقة ادارتها, ولن تمتد يد الحكومة لها!!
وقفت كثيرا عند هذا المؤشر وكونه انطباعا سائدا لدى العامة من الناس, وكون اصحاب الدراسة و هم شركة اجنبية لمسوا وترا حساسا وموضعا للشك والريبة, حرصوا على اظهار علمهم به و اتفاقهم مع اصحابه, ولعلمهم بانه سيكون عائقا قد يقف امام قبول اصحاب الاعمال بالمساهمة اقتصاديا في سوق العمل وذلك لعدم "الثقة" في حسن تصرف الحكومة, لذا حرصت الشركة الاجنبية على اعطاء توصياتها الضمانات الكافية بانه لن يكون للحكومة يد في ذلك الصندوق.
هذا الشعور العام ترجم الى حقائق في تقارير منظمة الشفافية الدولية الذي ذكر ان معظم الدول المنتجة للنفط معرضة للفساد الشديد (قدرت منظمة الشفافية مبلغ وقدره 400 مليار دولار سنويا تهدر في الرشاوى على مستوى العالم) حيث حصلت البحرين على علامة 5.6 والكويت على 4.6 على مؤشر المنظمة.
رغم هذا الشعور العام ورغم شواهد البذخ البادية على كل مسئولي الدولة الكبار في دولنا الخليجية (الا من رحم ربي وهم يعدون على اصابع اليد الواحدة) ورغم مضي ما يقارب ثلاثة ارباع القرن على اكتشاف النفط هذه النعمة التي هبطت علينا من السماء, ورغم ان انظمتنا ظلت تتصرف بهذه الثروة وحدها وباجتهادها الخاص بعيدا عن أي رقابة شعبية (عدا الكويت والبحرين مؤخرا), الا ان هذين النظامين الرقابيين الشعبيين الخليجيين الوحيدين (الكويتي والبحريني) لم ينجحا في اجتثاث الفساد من دولنا, رغم كون الكويتي مضى على انشائه اكثر من اربعين عاما والبحريني رغم حداثة انشائه (عامين) من بعد غياب وتعطش المجتمع البحريني لتفعيله, بدليل ان الشعارات الانتخابية الاولى ركزت عليه, لم يفتح غير ملف مالي يتيم واحد, ومن ثم صمت صمت الحملان, وكرر اكثر من نائب عبارة (التعاون مع الحكومة لا الاصطدام بها) ولا يبدو في الافق أي مؤشر لغير هذا (التعاون)! فهل نجحت الحكومات الخليجية في احتواء السلطات الرقابية المنتخبة؟
فان كان كذلك فليس هناك حل غير تفعيل الرقابة الشعبية المباشرة عبر مؤسسات غير حكومية و عبر تحرير الاعلام من اجل الرقابة على الرقابة المنتخبة لا على الحكومة فحسب لعل وعسى!!
*كاتبة بحرينية |